مجلة المعرفة

 

 
 
الأخيرة
أنا والفشل
ثرثرة
نوته
نحو الذات
ميادين
دراسات
حاسوب
ترجمات
الملف
مقال
يونسكو
تقارير
الحصة الأولى
نفس
 
 

نحو الذات
فصل التوائم.. لا يحتاج لإجراء جراحي دائماً
بقلم :   أسماء العبودي   2016-05-18 11 /8 /1437  

كيف هي مشاعر الأم وهي تشعر بالحيرة حين يصل طفلاها أو طفلتاها التوأم إلى الدخول للمدرسة النظامية، هل من الأفضل لهما أن يكونا في فصل واحد، أو أن يتم الفصل بينهما ليشق كل منهما طريقه دون الآخر..؟ يتساءل الكثيرون عن ما هو الأفضل لهما أولاً وأخيرًا، بعيدًا عما هو مريح  أو ما يجعل الوالدين يشعران بالاطمئنان عليهما.. 

وكثيرًا ما صادفتني هذه القضية أثناء عملي، وأحيانًا لا تكون الطفلتان توأمًا، ولكن يفرق بينهما سنة واحدة، وبعض الأهالي خوفًا وقلقًا يؤجلون دخول الكبرى للمدرسة حتى تدخل أختها معها كنوع من الاطمئنان النفسي لهما.. 

خضت تجارب عديدة مع الأهالي، حيث كانت الأمهات مصرات جدًا على جعل الطالبتين في صف واحد، دون أن يكون للاعتبارات التربوية التي أشرحها لهم أي جدوى، ولكنني في النهاية لا يمكنني إلا ان أحترم مشاعر الأم العاطفية وخوفها على أطفالها، ولكن ما الذي يحدث بعد ذلك، سنحاول هنا أن نعرض ما يجعلنا تربويًا نفضل الفصل بين الطفلتين داخل الفصل.. 

لكل طفل خصائصه الجسدية، وقدراته  الاجتماعية والعقلية واللغوية، ويجب دائمًا أن تحترم فرديته التي لا تتشابه مع الآخرين، وأن نعرف كيف نتعامل مع إمكاناته مهما كانت عالية أو منخفضة بما يتناسب معها. فماذا لو كان لأحد الطفلتين قدرات أقل من الأخرى؟ من المؤكد أنها ستتعرض للعديد من المواقف التي ستجعلها تشعر بأنها أقل، أو أن الأخرى متفوقة جدًا، وهي في مستوى أدنى.. ماذا لو تعرضت  لنوع من المقارنة مع شقيقتها؟ في الصف يتم تشجيع من يجيب أولاً، أو يتم التصفيق لمن ينهي الحل سريعًا، وتضع المعلمة دائمًا الترتيب الأول والثاني والثالث..ماذا لو كانت الطفلة الثانية لم تحصل على أي من هذه المراتب المتقدمة؟ هل فكرنا جيدًا بكل هذه التداعيات؟ هل لدينا ضمانات على أن الأمور تسير كما نريد ودون أي إشكالات؟

حالة توأم 

لمى وأمل.. هناك الشبه الكبير جدًا بينهما في الشكل، وإن بدت إحداهما أطول قليلاً من الأخرى.. منذ أن حضرتا مع الأم للتسجيل في الصف الأول وكونهما توأمًا فقط لفت الأمر انتباه الموظفات والمعلمات  في المدرسة ولم تخل نصف الساعة التي استغرقتها الأم في الزيارة إلا ورصدت في نفسي ما يقارب من 7  انتهاكات حدثت أثناء اللقاء من المحيطين بنا؟ وخصوصًا أننا نقوم بعمل نوع من المقابلة الشخصية مع الطفلات للتأكد من النطق الصحيح أو لمعرفة أي مؤشرات أخرى تحتاج إلى أن نحول الطفلة للكشف الطبي أو النفسي.. وبعد انتهاء التسجيل، انفردت بالأم  وأخبرتها بأهمية أن تجعل كل طفلة في صف، وخصوصًا أنني لاحظت أن قدرات كل طفلة تختلف عن الأخرى، وشرحت لها أسبابي التربوية، وأن جمع الطفلتين في فصل واحد ربما يصيب إحداهما بالضرر النفسي أو كلتيهما، ولكن الأم كانت تميل إلى أن تجعلهما في نفس الصف وكذلك الأب، فهي تخشى أن فصلهما سيؤثر عليهما عاطفيًا، ومع محاولاتي المتعددة إلا أن رأي الأم في جمعهما بفصل واحد هو الذي تم تنفيذه..

بدايات غير مشجعة..

وقد كانت الملاحظة الأولى من المعلمة بعد مرور 5 أسابيع  وبداية الدراسة الجدية، أن أقلهما قدرات كانت تجعل أختها التوأم تساعدها في كل شيء، كإخراج الكتاب وإدخال المصحف مثلاً، أو في حصة الرسم والتلوين أو حتى في الدفاع عنها واحتمائها بها في حالة أي تشاجر صغير بين الفتيات..

وكنا نسجل الملاحظات يوميًا للأم للتعامل مع الأحداث بشكل مستمر، وكان واضحًا جدًا ومن البداية أن إحداهما تعتمد اعتماد كليًا على الأخرى، ومن ثم اتضح أمر آخر كانت الطفلتان لا تعيان جيدًا وهو أن تبادر الأفضل دراسيًا إلى حل واجبات أختها، لأنها تقول إنها بطيئة بالكتابة، وهكذا كانت الملاحظات بشكل مستمر ولكن الأم كانت ترى أن ذلك ربما هو الأفضل لتتمكن لمى من مساعدة أمل حين تحتاج..! ولكن المداولات المستمرة مع الأم  لم تجدِ كثيرًا حتى حدث أن استدعين بعض الأمهات لحضور حصة دراسية مع البنات داخل الفصل وكان ذلك بهدف أن أجعل الأمهات يشاركن بمواجهة مشكلات أطفالهن والمساهمة فيها، حتى حدث موقف داخل الفصل جعل الأم تقتنع بأهمية الفصل بين الطفلتين، حين اختارت المعلمة أمل لتقرأ أحد الحروف ففوجئت الأم أن الطالبات الأخريات ببراءة كن يقلن للمعلمة..«أمل لا تعرف جيدًا مثل لمى..دعي لمى تفعل».

كان في الموقف ما جعل الأم تشعر بأن الموقف لم يكن في صالح ابنتها، ومع ذلك أصرت المعلمة على أن تقوم هي بالأداء، ولكنهم فوجئوا أيضًا بلمى وهي تصحح لها كي لا تخطئ !

فور انتهاء الدرس اجتمعت بالأم، وأظهرت لها أن هذا الموقف يبدو أنه يتكرر كثيرًا مع أمل، لأنها كانت تبدو مستسلمة في ردة فعلها في الصف ولم تبد عليها مظاهر الانزعاج، وهذا الموقف يعني أن الطفلة تستمع لانتقادات زميلاتها دائمًا وهذا يقلل من احترامها لذاتها، كما أنه يجعل أختها تحصل على التقدير والثناء وهي لا يصلها إلا الفتات وليس في صالحها أن تستمر بهذا الشكل، وتفاهمت مع الأم على كيفية نقل أمل إلى فصل آخر، وأنه سيكون تبادليًا وسنعطيها فترة انتقالية كي تتأقلم، وكان من حسن الحظ أيضًا أن هناك من الأمهات من كانت ترغب بنقل طفلتها وتمت عملية الانتقال بسلام.

واجهت لمى في بداية انتقالها للصف الجديد بعض الخوف واعتراها القلق لأنها فقدت المكان الذي ألفته لبعض الوقت، ولكنها أيضًا فقدت شقيقتها التي لم تفترق عنها يومًا، ولكن جهود المعلمة والمتابعة المستمرة غيرت تمامًا وضع الطفلة، وبدأت حالة الاعتماد على النفس وبدأ مستواها الحقيقي يتضح، وكان من الواضح أن لديها قدرات جيدة جدًا ولكنها لم تكن واضحة، وكذلك أصبحت تندمج مع الرفيقات في الصف وأصبح لها صديقات مختلفات، وكان ملاحظًَا أنها كانت أكثر استجابة من أختها لمى في الاستقلال والانفصال وتكوين علاقات وأصبحت تجمع كأختها عدد النجمات في دفترها، وأصبح اسمها يعلق مع نجوم الفصل وتحسنت أكثر من السابق وكانت فرصة جيدة أن تم الأمر في تغيير الصف منذ البداية حيث لم تعاني إطلاقًا من رهاب الانفصال ومضت بقية العام والأعوام التالية في صفوف مختلفة، حيث أصبح لكل منهما شخصية مستقلة وصديقات مختلفات، إضافة إلى أن مسألة إثبات الذات تحققت وأشبعت حاجاتها النفسية الأساسية كالتقدير الاجتماعي واللعب والتعبير عن الذات وتحقق لها النمو الاجتماعي واللغوي أيضًا.

 فصل التوائم في سن المدرسة قرار شجاع 

كثير من الأهالي لا يولون   الأمر اهتمامًا بالغًا، ويعتقدون أن الأمر لا ينبغي أن يأخذ حيزًا من التفكير ولكن حين نعلم أن أميرة وأماني - في المرحلة الجامعية الآن - وما زالت إحداهما تتذكر أنها كانت تشعر بالغضب والكراهية للمعلمة وأحيانًا لأختها حين تبدأ المعلمة بالمقارنة أو تكرار سؤال لماذا لست كأختك؟ أو حين تقول: مع أنكما توأم إلا أن خط أختك أجمل من خطك.. وهي هنا تلغي خصوصية إحداهما وتفردها، وتؤكد الأمر والدتهما حيث أوضحت أنها عانت من عادات سلوكية مزعجة لأماني مثل قضم أظافرها الذي كان يصاحبها فترة الدراسة فقط، والعناد الذي سيطر عليها كنوع من تعبيرها اللاشعوري برغبة إثبات ذاتها وأحيانًا في التبول اللاإرادي. وأضافت الأم أنها كانت تتوقع أن فصل طفلتيها غير مناسب لأنه في توقعها أن ذلك سيؤثر نفسيًا على الطفلتين، ولأنهما توأم فإن هناك ارتباطًا روحيًا وجسديًا بينهما لا يجب أن تحرما منه، وقالت إنها ندمت على هذا القرار ولكن بعد فوات الأوان لأنه كان من الممكن ألا تجعل إحداهما تتعرض للمشكلات النفسية نتيجة عدم الاعتراف بفرديتها وعدم احترام هذه الفردية، وتشير إلى أنه لو تم توضيح الأمر مسبقًا لها  لاختارت ألا تبقيا في فصل واحد منذ البداية لأنها شعرت  فيما بعد أن إحداهما ظلمت بهذا القرار.

لكل طفل خصوصية يجب اكتشافها واحترامها 

الطفل كيان مستقل، ولا يعني أن التوأم كيان واحد مطلقًا، ومؤكد أن هناك تقارب بينهما وفي مرحلة عمرية معينة لا يجب فصلهما، ولكن ينبغي أن نمنح كل كيان لأن ينشأ وينمو ويختار وأن يكون له رأي في اختيار ملابسه والألعاب التي يحبها والهوايات التي يستمتع بها دون أن يكون هناك نوع من فرض الرأي عليه، وهذا من الأخطاء التي يقع فيها الوالدان، حيث إنهما يستمتعان برؤية التوأم في لباس واحد مثلًا، وأن يكون شكلهما لافت للنظر، ويسعدهما تعليقات الآخرين على التوأم فيحرصان جدًا على أن تظهر الطفلتان بنفس الملابس ونفس قصة الشعر، ويجعلون من الطفلتين  استعراضًا شكليًا دون الاهتمام بداخل كل طفلة وما تفكر فيه وما ترغبه، وفي هذا نوع من القسوة المفروضة دون وعي بأنهم يسببون لهن ضررًا جسيمًا.

القرار يجب أن يكون شجاعًا..

حين تراجعت أم لمى وأمل وقررت فصل طفلتيها، بدأنا معًا كفريق العمل على تقليل أي مشاعر مؤلمة للطفلتين، ولكننا تفاجئنا كثيرًَا بأن القلق الذي ساورنا لم يكن له مبرر، فسرعان ما استعادت كل واحدة قوتها الذاتية واندمجت تمامًا في محيطها، وبحسب حديث الأم أنها فعلاً اكتشف طفلتيها لأول مرة  في  هذه المرحلة، وبدأت تتعرف على كل واحدة على حدة، وتغيرت الألوان المفضلة لكل منهما، وتغيرت طريقة اللعب والتعامل، وتغيرت العلاقة التي أصبحت بعد فصلهما  في الصفوف إلى علاقة أقوى وتنافس جميل فيه نوع من الحرص على الآخر، أصبحت كل واحدة تقدم هدية للأخرى، ولكل منهما صديقات مختلفات وهناك صداقات مشتركة، حتى الأحاديث مع الوالدين أصبح فيها تنوع وتبادل خبرات.. 

من المهم دائمًا ألا نجعل أطفالنا داخل إطار لا يمكن تجاوزه، يجب أن نجعلهم يكسرون الحصار ونمنحهم مساحات أكبر للحركة والنمو والتفكير والتقرير، فهذا ما سيمنحهم النضج العقلي والانفعالي  والعاطفي وسيكبرون أصحاء نفسيًا ومقبولين اجتماعيًا، ويجعلهم في حالة من الرضا عن ذواتهم والتفاعل مع عالمهم وبيئتهم بشكل أفضل.

 
 

الرئيسة|طباعة

 ارسل لصديق

  علق على الموضوع

 
 


تعليقات القراء
 
 

الرئيسة|أضف الموقع للمفضلة|اجعلنا الصفحة الرئيسية