مجلة المعرفة

 

 
 
الأخيرة
أنا والفشل
ثرثرة
نوته
نحو الذات
ميادين
دراسات
حاسوب
ترجمات
الملف
مقال
يونسكو
تقارير
الحصة الأولى
نفس
 
 

أنا والفشل
تصالحي مع الانكسارات.. طريقي للسلام الداخلي..!
بقلم :  د الهنوف الدغيشم   2016.05.18. 11 /8 /1437  

• أجد صعوبة بالغة في الكتابة عني، لأنني في مواقف كثيرة أكتشف أنني أجهلني، وأنّ نساء أخريات يتحدثن بدلاً عني.. العادة، حينما أتعب… أكتب، أنقسم عن نفسي، أتجرّد، وأتوالج أحيانًا. أقيم حفلة نزوح إلى ذاتي، إلى أشيائي المنسيّة في خضم هذا العالم.. فوضوية روحي. بعض من تعبي.. وشيء من خوفي.. ببساطة،  أنا أمرأة تبحث عن أي شيء جديد وجميل وإنساني..

• لطالما كنت صارمة مع نفسي، منضبطة مع كل أهدافي، لا أخرج عن الإطار الذي رسمته لي، لكنني الآن أفكر ماذا لو كنت أملك المزيد من المرونة؟ أستصبح الحياة بخياراتها متسعة أكثر لي؟ فلربما فشلت في رؤية أهداف أخرى، وخيارات مغايرة، وهل الفشل نقيض النجاح؟ فهل هدفي النجاح لمتعة النجاح ذاتها، النجاح كشيء فردي؟ ساعية لتلافي الفشل وأي عثرة في طريقي؟

• أتذكر طبيب أسناني في طفولتي، ذلك الذي استمع إليّ بحماس وأنا أشرح له، بدهشة طفولية عن الطماطم الصغير الذي رأيته وأكلته لأول مرة، والذي طلب مني من باب المسايرة أن أحضر له نموذجًا منه في الزيارة القادمة، وعندما فعلت بادلني هدية الطماطم بهدية من البسكويت الذي على شكل حيوانات صغيرة فتركت هديته وإصغاؤه لي أثرًا جعلني أخرج من عيادته وأنا عازمة على أن أكون طبيبة أسنان، وهو ما حدث.

• حينما كنت طفلة كنت أظن أنّ بإمكاني دائمًا تلافي الفشل بالجد والاجتهاد، لكن الحياة علمتني أن للفشل تشكيلات متعددة، فحتى لو حققت أهدافي، ثم أدركت بعد ذلك أنه لم يكن يستحق كل هذا الجهد، ألا يعد تقييمي للجهد والهدف فشلاً؟

• كلما كبرت، كانت تزداد دوافعي بحثًا عن استقلال أكبر، كينونة فردية في هذا العالم المتشابك، محاولة بكل جهودي وسعيي للنجاح إضاءة العتمة داخلي، وإشباع خوفي.

• بعد تخرجي من الجامعة، كان زوجي الطبيب عبدالعزيز البلاع، ابتعث قبلي لألمانيا، فكان علي اللحاق به، وخلال ذلك سعيت لأكون معيدة في جامعة الملك سعود، ثم ابتعاثي من الجامعة، ولكن تم رفضي وتبرير ذلك خلال المقابلة أنني أريد الابتعاث لألمانيا وليس لأمريكا، ورغم أنني رأيت ذلك أمرًا غير عادل، ولم أجد له تفسيرًا يطفئ حيرتي المشبعة بالمرارة، لكنها العثرة التي  ابتلعتها لتمنحني القوة والدافع، في أن أشق طريقي في جامعة فرايبورغ الألمانية، وأثناء دراستي في ألمانيا قُبلت في جامعة الأميرة نورة من خلال برنامج استقطاب المبتعثين.

• رغم شعوري بأنني داخل حياة معقدة، ابتداءً بحياتي العلمية في مدينة غريبة بشكل متوازٍ بابتدائي كأم لتوأمين، ثم ابنة ثالثة، ومسؤولية الدراسة وعملي كطبيبة، والبحوث والمحاضرات، والمرأة الحرة التي تريد لها مساحتها الخاصة، وشعوري بأن هذا الطريق هلامي. كانت رغباتي لتحقيق كل شيء تأتي بدافع مقاومة العثرات في حياتي، إذ ما أن أنهي مواعيد المرضى، حتى أتجه لمعمل البحوث، وفي تلك الغرفة الصغيرة الباردة، كان صوت الآلة الطاحنة، التي تقيس معدّل طحن الأسنان، يتردد بشكل تكراري، ومع تردده تُطحن أفكار وتتولد أخرى من جديد.

• حينما رشح البحث للتنافس في مسابقة الأكاديمية الأوربية لطب الأسنان التجميلي، وبعد فوزي بالمركز الأول، تساءلت.. هل هذا كل ما أريده من هذه التجربة؟ أعترف أنه كان لدي رؤية مختلفة لما ستكون عليه تجربتي في الابتعاث، ولم أستطع تحقيق كل ما توقعته وأردته.

• كان لدي طموح ورغبة في اندماج أكبر مع المجتمع الألماني المختلف عنا، كما كان لدي توقعات أنني سأندمج معه، وسأمتلك الوقت والمقدرة لقراءة الأدب الألماني بلغته، وأنني أستطيع الاستمتاع بقراءة رسائل «كافكا» بخط يده، لكنني بكل مرارة أقول فشلت في الاندماج بالمجتمع المختلف عني، وشعرت بداية أيامي في ألمانيا بالارتباك والرفض، وأدركت أن توقعاتي العالية كانت خيبة، ولم أستطع قراءة الأدب الألماني بلغته، ولكنني أيضًا فشلت في كبح رغبتي بالتوقف عن شراء الكتب بلغة كُتّابها. 

• مع الوقت، بدأت أتصالح مع عزلتي هذه، وأرى جانبًا مشرقًا آخر، فلقد كانت العزلة طريقًا لمعرفة نفسي، ومنحتني النور الذي يرتّب حياتي المركبة. فحينما وجدت نفسي في عزلة عن الآخرين، كانت مساحة دائرتي الذاتية التي تحتويني وعائلتي الصغيرة تتسع أكثر لي، كما كان الوقت أكثر ليونة في يدي، أعجنه كما أشاء، فأستطيع أن أقفز بين أدواري كطبيبة وباحثة وزوجة وأم، وكغريبة أيضًا دون أن أشعر بالإنهاك الذي قد يدمرني. 

• حين أتأمل حياتي الهادئة هنا، القاحلة من الآخرين، أدرك أنه لم يكن لي أن أتجاوز هذه الحياة دون أن يكنّ صغيراتي هنّ من يمنحنني القوة والأمل لأستمر، صغيراتي اللاتي كنت أخاف أنهن عقبة لتحقيق أهدافي العلمية، وكنت أشعر أحيانًا بعدم التوازن بين الأمومة والحياة العلمية، فكنت أتأرجح بقلقي، لكن هذه الغربة منحتني علاقة حميمية معهن، فرغم أن مسؤوليتي تجاههن كانت تبدو جزءًا من صراعي هنا، إلا أنهن كنّ طريقًا لسلامي الداخلي، فتصالحهن الفطري مع الغربة وعدم إدراكهن للفوارق، كان مشذبًا لحساسيتي ومانحًا لروحي صمودًا. 

• فشلت في التخلص من شعور القلق على صغيراتي، القلق من وصاية الآخرين، من المفاهيم المعقدة والمتشابكة التي قد تمتد وتلتف حولهن، بل أصبح هذا الشعور ينمو ويتشكل بطرق متعددة ومتناقضة داخلي، ويبدو كشبح يلاحقني، حتى حينما تسألني صغيرتي وعيناها مليئتان بالتوجس والقلق، ثم تلتهم إجابتي بيقين، أخاف من النظرة التي تتملكها بعد إجابتي، أريد لعينيها أن تظلا دائمًا متسائلتين.. مشككتين حتى تصنع يقينها بنفسها.

• عندما تحاول صغيرتي النزول من السرير، وهي تعيش نشوة التجربة، أقع في صراع بين مساعدتها لمنعها من السقوط، أو منحها حق التجربة، ولكن هذا الشعور يتسع ليأخذ مساحات أخرى، كيف ستتسع مساحة التجارب لبناتي، وهل ثمة من سيمنعهن من حق التجربة والسير في الحياة بشكل خيار فردي؟ 

• فشلت في تحجيم المواقف الصغيرة في مكانها، وإيقاف تضخمها داخلي، التضخم الذي يقلقني وينهش مني. ربما، كانت عزلتي طريقًا لأتصالح مع مشاعري أكثر، أتقبل كينونتي، وأومن أن قلقي جزء من تكويني، وأبحث عن سلام ذاتي مع كل أشكالي. 

• أنا هنا لا أعرف إن كنت رتبت أولوياتي بشكل جيد، لكن كان هناك بعض التسويات وتقديم التنازلات عن مفهوم البيت المثالي المرتب، والوقت الكافي الذي يجب أن أقضيه مع صغيراتي، وكان إحساس الذنب ينهشني بين وقت وآخر، لكنني حينما أتأمل تجربتي خلال هذه المرحلة من حياتي عن بُعد، بعيدة عن التفاصيل التي تلاحقني بالتقصير، أشعر بالرضا للنتيجة الكلية.

• في كتابي الذي يعد الأول، أوضحت كيف أني في عزلتي كتبت عن ذاتي في هذه المدينة «عن المرأة التي أراها أول مرة بهذا الوضوح، كانت الغربة الطريق إلى نفسي، فقد قادتني هذه العزلة إلى اكتشاف دهاليز روحي المعتمة، وكشف الضوء عن ملامحي الذهنية، فنفضت غبار الضجر وشاغبت الرتابة الساكنة داخلي، لقد ركضت وحيدة داخل مساحات توجّساتي الداخلية الشاسعة الخائفة من كل ما هو مجهول وغير ُمدرك، وعبثت بالأسئلة الساكنة داخلي كأنها براكين متوجّسة». 

• كتبت في الترام، وغرف الانتظار، وفي الأوقات الطويلة التي كنت فيها وحيدة «كانت الكتابة عشوائية، في نوتات متفرقة، وفي رسائلي لصديقاتي، وفي ذاكرة الآيباد، وملاحظات الجوال، لم تكن فكرة الكتاب متكونة في ذهني، حتى اقتربت من نهاية هذه التجربة» فالكتابة بالنسبة لي «تدوين رحلة السير بقلق إلى نفسي، إلى ذاتي النقية، أكتب عن تحولاتي وما انتابني من تغيير في هذه المدينة الصغيرة، وبداخلي امتنان لكل العابرين غير المبالين، الذين صنع عبورهم الناعم حكاية في داخلي، أكتب لأن ذهني لابد أن يحوّل كل صورة عابرة إلى كلمة، كل موقف إلى كلمة، رأسي لا يتوقف عن البحث عن الكلمات، وما يقلقني هو حاجتي إلى كلمة لا تأتي، إلى تعبير لا أستطيع الوصول إليه».

• في ألمانيا، بالتحديد في فرايبورغ، مدينة صغيرة وهادئة ولطيفة جدًا، وكل مرة يتصل بي أحد من أهلي أو أصدقائي، أو أتعرف على أحد… يربكني السؤال «كيف حالك مع الغربة؟ كيف الغربة معاك؟ كيف شعور الغربة؟»، أيًا يكن … فإجابته الأكثر إرباكًا، أجد أمامه أنني أتصفح ذاتي، قبل «هناك »، والآن «هنا ».

• رغم الصباحات الباردة، والوجوه الجامدة جدًا،  حتى في الترام لا أرى على الأقل نظرات فضولية، أو ملامح لينة، وفي الماركت الصغير بجواري، وجه المرأة التي تحاسب عند الكاشير وتراني يوميًا لا يتغير منذ أول مرة عن المرة الخمسين!…

أجد نفسي، أجدني متصالحة تمامًا مع ذاتي. أو كأنني أستكشف ذاتي للمرة الأولى  مجردة من الآخرين وتأثيراتهم ورغباتهم، هنا أنا.. تمامًا، هنا أنا.. كاملة، هنا أنا.. بلا خجل، هنا أنا.. بلا تردد، هنا أنا.. أنا!

أرتدي ما أريد، لا أفكر هل يناسب من سأقابلهم؟ يناسب المكان؟ يناسب الوقت؟.. كل هذا لا يهم، ما دامت رغبتي فقط هي التي تحدد، لا يوجد نساء بداخلي يتصارعن لأجل هذه الأجوبة..«هنا، أنا فقط».

لا أجد صعوبة في طلب المساعدة من أحد المارة، لا أتردد، لا أخاف، لا أفكر هل سيفهم طلبي بطريقة خاطئة؟.. هنا، ما أريده فقط.

• في أي وقت، أخرج للماركت أو التسوق حينما أحتاج، لا حاجة للبيروقراطية في الخروج والعودة، لا حاجة للسؤال عن الوقت المناسب، يسعدني جدًا أنني أشتري بنفسي يوميًا  أشيائي الصغيرة، الحليب والخبز..، أرتب حياتي.. وتفاصيل الأشياء بالأوقات التي تناسبني، لا أفكر.. إلا بما يناسبني،.. كما ينبغي لأي شيء يخص حياتي!

أشعر أنني أتحدث بتلقائية، لا أفكر  قبل حديثي، لا أختار الألفاظ مسبقًا، لا أرتب الجملة قبل أن أتحدث، أي شيء.. أي كلمة.. أي جملة أود قولها، تخرج من فمي كفقاعات صابون، وتختفي!.. كما يجب.

• إنني أنام، أنام جيدًا… أشعر أن رأسي أسطوانة كبيرة لا يوجد بها إلا أنا والمستقبل، لا أفكار حادة تضرب رأسي قبل النوم، لا أحاديث قديمة وتافهة تتكرر في رأسي مرات ومرات ولا أستطيع إيقافها،  لا وجوه قاتمة، لا أصوات حادة، لا نظرات مختلسة… هنا أنا فقط، كما ينبغي!

• أشعر أني فشلت في كبح رغبتي الحادة في فهم الحياة، وحساسيتي من كل ما يدور حولي، فأشعر أن مبالغتي في تحسسي، قد أفقدتني بعض سجيتي وبساطتي، وربما أرهقتني، وكانت أحد عوائقي في الاندماج في ثقافة أخرى.

• الطفلة التي كُنتها وتعتقد أنها قادرة على تحقيق كل ما تريد بالجد والاجتهاد، لم تعد هنا. فأنا أدرك الآن أن للفشل أوجهًا متعددة، ربما أكثرها إيلامًا التي لا يراها أحد، فالفشل لا يأخذ شكل الاختبار الواضح المعالم، بل هي سلسلة التجارب التي نعيشها، وندرك مع الوقت ماذا فعلنا خلالها، وماذا أنجزنا. ويأخذ الفشل ملامحه في تفاصيل حياتنا اليومية، وقدرتنا على اتخاذ القرارات الصغيرة الحاسمة بشكل سريع، أو حتى اختيار الألفاظ المناسبة.  

• الآن، أرى أن تصالحي مع الانكسارات التي ظننت أنها كادت تطحنني، ثم مع الوقت أيقنت أنها جزء من تشكيلي٬ وواحدة من مكونات وعيي وإدراكي، هو طريقي للسلام الداخلي.

 
 

الرئيسة|طباعة

 ارسل لصديق

  علق على الموضوع

 
 


تعليقات القراء
 
 

الرئيسة|أضف الموقع للمفضلة|اجعلنا الصفحة الرئيسية