مجلة المعرفة

 

 
 
الأخيرة
أنا والفشل
ثرثرة
نوته
نحو الذات
ميادين
دراسات
حاسوب
ترجمات
الملف
مقال
يونسكو
تقارير
الحصة الأولى
نفس
 
 

يونسكو
هل انتهى حقًا عصر التعلم في المدارس؟
بقلم :   جمال عفيفي   2016-05-18 11 /8 /1437  

يرى بعض الخبراء أن نمط التعلم المدرسي لا مستقبل له في العصر الرقمي، نتيجة للفرص التي يتيحها التعلم الإلكتروني والتعلم بالأجهزة المحمولة وسائر التكنولوجيات الرقمية. 

وقد جرى في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي نقاش في موضوع إلغاء المدارس، نجد ذلك في مصنَّفات بول غودمان وإيفان إيليتش. 

ومن المعلوم تاريخيًا أن نمط التعليم المدرسي الصناعي القائم حاليًا صُمّم لتلبية احتياجات الإنتاج طيلة أكثر من مئة عام خلت، وقد لوحظ أن أساليب التعلم تغيّرت تغيّرًا مذهلاً في غضون العقدين الماضيين، وتغيّرت كذلك مصادر المعرفة وطرائقنا في تبادلها والتفاعل معها. 

وعلى الرغم من ذلك، يبقى التعلم المدرسي هامًا كما كان دائمًا، إذ إنه الخطوة الأولى للإنسان في رحاب التعلم المؤسسي وعالم التكيّف الاجتماعي خارج الأسرة، فهو مكوِّن جوهري من مكوِّنات التعلم الاجتماعي، أي تعلّم المرء لكي يكون، وتعلمه لكي يعيش مع الآخرين. فالتعلم ينبغي ألا يكون عملية فردية لكونه يقتضي باعتباره تجربة اجتماعية، التعلم مع الآخرين وعن طريقهم من خلال المباحثات والمناقشات مع الأنداد ومع المعلمين أيضًا.

تمرد على مؤسسات التعليم النظامي

أصبح من المشاهد في عالمنا المعاصر تنامي الاعتراف بأهمية وملاءمة التعلم خارج مؤسسات التعليم النظامي، وهناك حركة انتقال من مؤسسات التعليم التقليدية إلى مشاهد تعلم مختلط، متنوع، معقَّد، يحصل فيها التعلم النظامي وغير النظامي وغير الرسمي عن طريق مؤسسات تعليمية متنوعة وأطراف ثالثة مزوِّدة. فما نحتاج إليه هو نهج أكثر مرونة في التعلم على اعتباره شيئًا متّصلًا، تتفاعل فيه المؤسسات المدرسية والتعليم النظامي تفاعلًا أوثق مع تجارب تعليمية أقل انتظامًا منذ الطفولة المبكرة إلى نهاية الحياة. والتغيرات التي تحصل في الفُسَح والأوقات والعلاقات التي يجري فيها التعلم، تشجّع الميل إلى إقامة شبكة من فُسح التعلم، تتفاعل في إطارها فسح التعلم النظامية منها وغير الرسمية مع مؤسسات التعليم النظامي وتكمّلها. 

مقررات دراسية مفتوحة للجمهور 

نظرًا لازدياد وانتشار فرص النفاذ إلى المعرفة يواجه التعلم المرتكز على قاعة التدريس تحديات تتمثل في ظهور فُسح تعلم تتجاوز قاعات التدريس والمدارس والجامعات وسائر المؤسسات التعليمية. فوسائط التواصل الاجتماعي مثلاً من شأنها تمديد عمل قاعة التدريس بتوفير فرص لأنشطة مثل التعاون والشراكة في التأليف، والأجهزة المحمولة تمكّن الدارسين من النفاذ إلى الموارد التعليمية والاتصال مع الآخرين، وابتكار مضمون داخل قاعة التدريس وخارجها. وفي منحى مماثل، نشأت في التعليم العالي مقررات دراسية على الخط مفتوحة للجمهور، نتيجة لاتحاد جامعات ضمّت موارد هيئاتها التدريسية في إعداد مضامين المقررات، ففتحت طرقًا واسعة جديدة تبلّغ بواسطتها التعليم العالي إلى جماهير أكبر على امتداد العالم. ويُتيح السياق الراهن الخاص بتحول المشهد التعليمي فرصة للتوفيق بين جميع فُسح التعلم، عن طريق إقامة أشكال من التآزر بين مؤسسات التعليم والتدريب النظامية وتجارب تعليمية أخرى. ويتيح أيضًا فرصًا جديدة للتجريب والابتكار.

تجربة «الجدار المثقوب»

يعزى إلى الدكتور سوغاتا ميترا، كبير العلماء في شركة NIIT الفضل في تجربة الجدار المثقوب، إذ كان منذ عام 1982 تراوده فكرة التعلّم بدون إشراف مع فكرة الحواسيب. آخر الأمر وفي عام 1999 قام فريق الدكتور ميترا بحفر كوّة في الجدار الفاصل بين مبنى الشركة NIIT وحيّ كالكاجي الفقير الملاصق في نيودلهي. ونُصب حاسوب للاستعمال المجاني، يُنفذ إليه عبر هذه الطاقة. وقد اكتشف سكان الحي الفقير وجود هذا الحاسوب على الفور، ولا سيما الأطفال، وتعلم الأطفال استعمال الحاسوب وحدهم ودون سابق تجربة. 

هذا الحدث أدى إلى الفرضية التالية: يمكن لأي مجموعة من الأطفال أن تكتسب المهارات الأساسية للحوسبة بالتعلم العرضي، بشرط أن يتاح لهؤلاء المتعلّمين النفاذ إلى مرفق حوسبة ملائم، مزوَّد بمضمون ترفيهي حافز، مع قدر ضئيل من التوجيه البشري. وشجّع نجاح تجربة حي كالكاجي على إتاحة حواسيب في مدينة (شيفبوري) وعُرفت هذه التجارب باسم تجارب الجدار المثقوب.

وجاءت نتائج تجارب شيفبوري مؤيِّدة لنتائج تجارب كالكاجي. وتبيّن أن الأطفال في هذين الموقعين اكتسبوا المهارات الحاسوبية بجهودهم الذاتية. وهذا المنحى الجديد في التعلم أصبح يُعرف بتسمية التعليم الأقل تدخلاً. ونمت تجربة الجدار المثقوب بعد انطلاقتها عام 1999 من حاسوب منفرد في حي كالكاجي، نيودلهي، إلى أكثر من مئة حاسوب في أماكن مختلفة، حتى في مواقع نائية عسيرة المنال في بلاد الهند وخارجها، مثل بهوتان وكمبوديا وجمهورية إفريقيا الوسطى.

وشركة NIIT شركة هندية مقرها في غورغاؤن، والهند، تشغِّل عدة مؤسسات تعليم عالٍ بهدف الربح. 

التعلم بالأجهزة المحمولة

حصل اهتمام كبير مؤخرًا بتسخير التكنولوجيات المنقولة لأغراض التعلم، فالتعلم بالأجهزة المحمولة وحدها أو مشفوعةً بتكنولوجيات أخرى للمعلومات والاتصال، يوصف بأنه يمكّن من التعلم في أي وقت وأي مكان. وهذه التكنولوجيات في تطور مستمرّ، ومنها في الوقت الحاضر الهواتف المحمولة والهواتف الذكية والحواسيب اللوحية والقارئات الإلكترونية والمشغّلات السمعية المحمولة، ووحدات التحكم المحمولة. 

وقد غير ظهور التكنولوجيات الجديدة طبيعة العمليات التعليمية تغييرًا شديدًا، لأن الأجهزة الخفيفة الوزن والمحمولة بدءًا من الهواتف المحمولة إلى الحواسيب اللوحية، وانتهاء بالحواسيب الراحية، حررت التعلم من المواقع الجامدة المعيّنة سلفًا، مغيِّرة طبيعة المعرفة في المجتمعات الحديثة. 

وبذلك صار التعلم أكثره غير رسمي وشخصيًا وفي كل مكان،  وتتسم التكنولوجيات المحمولة بأهمية خاصة بالنسبة إلى المعلمين، نظرًا لانخفاض تكلفتها قياسًا إلى الحواسيب المكتبية، واستمدادها موارد غنية من الإنترنت.

إن التعلم بالأجهزة المحمولة، وقد اكتسب مزيدًا من الرواج في قطاعات تعليمية متنوعة عزز التعليم الأساسي والتعليم العالي، وحقق التوصيل الإلكتروني للتعليم النظامي والتعليم غير الرسمي، فأجهزة التعلم المحمولة، بالنظر إلى سهولة حملها وانخفاض تكاليفها، من شأنها أن تزيد التعليم الأساسي تيسّرا وفعالية، إلا أن التكنولوجيات المتنقلة «تمتلك المفتاح لتحويل الفجوة الرقمية القائمة الآن إلى أرباح أسهم تحقق التعليم المنصف والجيد للجميع» .

ويمكن أن يلاحظ أن تطور التكنولوجيات المتنقلة أوجد كثيرًا من الإمكانات لمحو الأمية وتعلم اللغات. وقد أظهرت البحوث فعالية التكنولوجيا المتنقلة في تحسين أداء محو الأمية بين متعلّميه، إذ إن التكنولوجيا المتنقلة بفضل قدرتها على تبليغ جمهور أوسع، تمتلك الوعد بتحقيق التعليم للأطفال والشباب الذين في مناطق معزولة أو مفتقرة إلى الخدمات.   

تجربة محو أمية الفتيات في باكستان بواسطة الأجهزة المحمولة

في مشروع اليونسكو لمحو الأمية بواسطة الأجهزة المحمولة، جرى استعمال الهواتف المحمولة من أجل تكميل ودعم دورة محو الأمية بالطريقة التقليدية، ومن ثم قُدّمت لـ 250 مراهقة يعشن في المناطق النائية من باكستان. فالأمية مشكلة حادة في باكستان، وتأثيرها غير متناسب بحق النساء والفتيات. إذ إن معدل محو أمية الراشدين في البلاد هو 69٪ للذكور و 40٪ للإناث. وبما أن البحوث في مجال التعليم تبيّن أن مهارات محو الأمية الحديث اكتسابها تضمحل سريعًا إذا لم تساندها ممارسة مستقرّة، أراد مخططو المشروع سبيلًا إلى مساندة الفتيات المقيمات في أماكن نائية بعد إتمامهن دورة محو الأمية.

فكان السبيل الوحيد للتواصل مع الطالبات المشاركات، اللواتي يعشن في قرى بدون حواسيب أو بدون توصيلات إنترنت بالخط الثابت يمكن الاعتماد عليها، هو سبيل الهواتف المحمولة.

أرسل الموجهون العاملون في البرنامج إلى طالباتهم رسائل نصية تذكّرهن بممارسة مهارات الكتابة اليدوية أو بأن يقرأنَ مجددًا مقاطع من الكتاب التعليمي. وطرح الموجّهون أيضًا أسئلة على طالباتهم، وأجبْنَ عنها برسائل نصية. وهدفت الأنشطة والاتصالات جميعها إلى ترسيخ مهارات محو الأمية التي اكتسبتها الفتيات أثناء الدورة التعليمية بالحضور الشخصي.

وقبل إدخال الأجهزة المحمولة على المشروع، كانت نسبة الفتيات اللواتي يُتممن دورة محو الأمية وينجحْنَ بعلامة «A» في امتحان المتابعة لا تتجاوز 28٪. وأما بعد استعمال المساندة بواسطة الأجهزة المحمولة، فقد تجاوزت الـ 60٪ نسبةُ الفتيات اللواتي ينجحن بعلامة «A» في امتحان المتابعة. وانطلاقًا من هذا النجاح البدئي، يجري توسيع المشروع في الوقت الحاضر ليشمل 2500 طالبة.

 
 

الرئيسة|طباعة

 ارسل لصديق

  علق على الموضوع

 
 


تعليقات القراء
 
 

الرئيسة|أضف الموقع للمفضلة|اجعلنا الصفحة الرئيسية