مجلة المعرفة

 

 
 
الأخيرة
أنا والفشل
ثرثرة
نوته
نحو الذات
ميادين
دراسات
حاسوب
ترجمات
الملف
مقال
يونسكو
تقارير
الحصة الأولى
نفس
 
 

ترجمات
لقاء التعليم مع تقنية الواقع الافتراضي
بقلم :   نبيل حانة   2016-05-18 11 /8 /1437  

لقد بدأت تقنية الواقع الافتراضي تسبح ضمن محيط التكنولوجيا الشاسع منذ خمسينيات القرن الماضي بدون تحقيق أي نجاح حقيقي في مواكبة التيار الهائل وجلب التموينات التجارية لهذه الصناعة، ولكن مع حلول سنة 2012 تمكنت تقنية الواقع الافتراضي المعروفة اختصارًا بالـ(VR)«في آر» (Virtual Reality) من تحقيق إنجازات مهمة عبر الرّفع من رأسمالها التجاري إلى أكثر من 1٫46 مليار دولار، بما فيها 100 مليون دولار تم تخصيصها للتموينات فقط، وذلك خلال المواسم الاقتصادية الأربعة الأخيرة بشكل متتال.

ووفقًا لتقارير مؤسسة «سايتا» (Cita)، فإن سنة 2016 ستكون سنة إقلاع قوي بالنسبة لصناعة الواقع الافتراضي، حيث يتوقّع أن يتضخّم سوق صناعة الـ«في آر» (VR) ليصل إلى 15٫9 مليار دولار أمريكي مع حلول سنة 2019. كما تتوقّع مؤسسة «سايتا» أن تنمو أسواق صناعة الأجهزة الرقمية (Hardwares) والشبكات (Networks) والبرمجيات الحوسبية (Softwares) وبرامج المحتوى(Contents) لتصل إلى قرابة 200 مليار دولار بحلول سنة 2020.

تتميز دينامية سوق صناعة الواقع الافتراضي بسمة خاصة، هذا لأن أغلب أعمال هذه الصناعة التكنولوجية خصصت تاريخيًا لقطاع ألعاب الفيديو، إلا أن العالم يتغير بشكل مستمر.

دعونا ننظر إلى تقنية الواقع الافتراضي على أنها أداة مفيدة لمصلحتنا، أو ربما كتقنية من شأنها أن تحسّن إنتاجية التّفاعل الإنساني عن طريق الجمع بين الناس من مختلف بقاع العالم بغرض المشاركة والتفاعل، بغض النظر عن الفوارق الاجتماعية أو الاقتصادية أو الجغرافية، هذا من الناحية النظرية، فضلاً عن إدماج التقنية وتطبيقها ضمن عملية التعليم الحديث والذي سيكون مخولاً للاستفادة بدوره من أحدث الابتكارات التقنية.

على مدى السنوات القليلة الماضية، تغيرت صناعة الواقع الافتراضي التي كانت تدخل ضمن احتكار قطاعي الجيش والطيران لتصير في رحاب التيار الرئيسي للتنمية المهنية، كالمدراء والمعلمين والمدربين والمعالجين الذين استغلوا تقنية الواقع الافتراضي للزيادة في الاستفادة من خلال خوض تجارب علمية غامرة.

في الوقت الذي لم يتم فيه بعد استكمال إحصاءات استخدامات تقنية الواقع الافتراضي في المدارس والجامعات الأمريكية، تنعكس النجاحات المبهرة التي حققتها مجموعة من الشركات التي تتخصص فقط في تزويد المدارس ببرامج ومحتويات تعليمية ومناهج دراسية، هذا بالإضافة إلى توفيرها لبرامج تدريب المدرسين وتزويد المحيط التعليمي بالأدوات التكنولوجية اللازمة بهدف دعم التعليم على أساس تقنية الواقع الافتراضي داخل القاعات الدراسية. هناك ما لا يعدّ وما لا يحصى من المقالات والدّراسات والمؤتمرات التي تشهد على النجاح الباهر الذي حققته تقنية الأبعاد الثلاثة (3D) والواقع الافتراضي (VR) داخل المئات من الفصول الدراسية والمدارس التربوية المتقدمة والمختبرات التعليمية في كل من أوروبا والولايات المتحدة.

ركزت جلّ أعمال هذه الطّفرة التعليميّة الجديدة على العلوم الصعبة مثل علم الأحياء وعلم التشريح والجيولوجيا وعلم الفلك، كما يتم إغناء فرص التركيز على علوم التعليم والمناهج الدراسية، ولا سيما من خلال التفاعل مع الأجسام الثلاثية الأبعاد للحيوانات والبيئات المختلفة. يعدّ المشروع العالمي كومينيوس (The World of Comenius) نموذجًا يحتذى به ضمن عملية التعلّم العلمي، وهو عبارة عن درس لعلم الأحياء في إحدى مدارس جمهورية التشيك، حيث يتم استخدام أجهزة التحكم اليدوي الافتراضي المعروفة باسم«ليب موشن» (Leap Motion)، بالإضافة إلى سمّاعات رقمية معدّلة من طراز «دي كاي 2» (DK-2) والتي صممت خصيصًا لأغراض تعليمية أكاديمية.

لقد تمّ استخدام العديد من الأدوات ونماذج الواقع الافتراضي في جوانب تعليمية أخرى، وهو ما ساهم في تصميم وبناء نماذج معمارية وهندسية بالإضافة إلى أيقونات نموذجية لمواقع تاريخية وطبيعية وغيرها من النماذج الموقعية المهمة. كما استخدم العديد من المعلمين والمؤطرين تكنولوجيا الواقع الافتراضي بهدف إشراك طلبتهم في مواضيع تتعلق بالأدب والتاريخ والاقتصاد من خلال توفير جو من الشعور بشدة القرب من الزمن والمكان سواء كان تاريخيًا أم مستقبليًا.

قد تحدث تقنية الواقع الافتراضي نقلة نوعية ضمن عملية التعليم عبر العالم. خلال سبتمبر سنة 2015، أطلقت عملاقة التكنولوجيا «غوغل»(Google) مشروعها الضخم «بيونير إكسبديشن» (Pioneer Expeditions). من خلال هذا البرنامج تتزايد آلاف المدارس من جميع أنحاء العالم كل يوم، حيث يتم تزويدها بعدّة تكنولوجية خاصة تحتوي كل ما قد يحتاجه المدرّس لكي يأخذ تلاميذ فصله ضمن غمار رحلة علمية افتراضية، وذلك عبر هواتف «أُسس» (Asus) الذكية واللوحات الرقمية التحكميّة المصمّمة للمدرسين وجهاز توجيه يمكن تشغيله بدون ربطه بشبكة الإنترنت، بمحتوى مكتبة تضم أزيد من 100 رحلة افتراضية انطلاقًا من سور الصين العظيم وصولاً إلى كوكب المريخ، بالإضافة إلى برامج «غوغل كارد بورد» (Google Cardboard) أو «ماتل فيو ماستر» (Mattel View­Masters) الذي يحول الهواتف الذكية إلى سماعات رقمية لبرامج الواقع الافتراضي.

سوف يؤثر التوزيع العالمي لمحتويات وولوج برامج الواقع الافتراضي على العملية التعليمية بدون أدنى شك، فستسمح هذه التكنولوجيا لأحد مدرسي الآداب في مدينة شيكاغو، على سبيل المثال، بأن «يأخذ» تلامذته في جولة إلى منطقة «فيرونا» إعدادًا لدرس رواية روميو وجوليت لشكسبير، كما سيتمكن مدرس التاريخ في نيويورك من «استحضار» أطلال الحضارات القديمة داخل الفصل الدراسي، كحضارة المايا في أمريكا الجنوبية.

تتيح منصات التعليم الافتراضي «آلتسبيس في آر»(AltspaceVR) و«ليكتشر في آر»(LectureVR) فرصًا سانحة بالنسبة للمعلمين لكي يكتسبوا مهارات تعليمية جديدة، حيث تسمح هذه التكنولوجية بتصميم المجسّمات. تدعم برنامج «مالتي بلاير» (Multi-Player) تعدّد المتفاعلين، وهو الأمر الذي من شأنه أن يرفع سقف التوعية والتنمية الاجتماعية بشكل كبير.

من المحتمل أن يساهم التعاون بين منصّات الواقع الافتراضي المبتكرة وأحد الفنانين أو المرشدين بأن يقوم بتوجيه الآلاف من الناس ضمن جولة افتراضية داخل أحد المتاحف أو المواقع الثقافية، أو أحد الأستاذة أو الممثلين بأن يترأس فصلاً دراسيًا افتراضيًا في الوقت الحقيقي برفقة طلبة من جميع أنحاء العالم.

لعلّ التطبيق الرقمي المثالي لهذه التكنولوجية هو ذلك الذي سيعتبر كأداة ربط بين الثقافات وتعزيز التفاهم بين الطلبة الشباب، حيث قريبًا سيكون من الممكن لطلبة الصف الثالث في الولايات المتحدة أن يشاركوا في رحلة افتراضية جنبًا إلى جنب مع طلبة الصف الثالث في الهند أو المكسيك على سبيل المثال.

على الرغم من أن صناعة الواقع الافتراضي لا تزال في مرحلة التطوّر، إلاّ أنها شهدت توسعًا حقيقيًا ضمن اقتصاد التكنولوجيا. لقد انخفضت تكلفة استهلاك أجهزة الواقع الافتراضي بشكل مطرد (السماعات الرقمية على وجه الخصوص)، لدرجة أنه اليوم أصبحت عدّة أجهزة (HMDs) متاحة للعرض التجاري والتي تضم: «غوغل كاردبورد» (Google Cardboard) مقابل 20 دولارًا، و«سامسونغ كير في آر» ( Samsung Gear VR ) مقابل 99 دولارًا، (وإلى غاية كتابة هذه السطور تبقى أجهزة «Oculus Rift» و«desktop VR device» متاحة حسب الطلب بمبلغ 599 دولارًا).

لقد قامت صحيفة نيويورك تايمز مؤخرًا بتزويد أكثر من مليون مشترك بسماعات «غوغل كاردبورد» الرقمية من أجل تمكينهم من ولوج تجربتها الجديدة للواقع الافتراضي، حيث لا تزال الجهود متضافرة من أجل تعميم الجهاز وتسهيل استخدامه، كما أن هذه التقنية ستصب في مجرى الاستهلاك الإعلامي.

وعمومًا فإن الولوج إلى بعض أصناف أجهزة الواقع الافتراضي المحمولة هو في متناول العديد من المستخدمين بالإضافة إلى العديد من المدارس، بحيث يستخدم الآن الكثير من المدرّسين والمؤطّرين التقدميّين أجهزة الطابعات الرقمية الثلاثية الأبعاد (3D Printers) لأغراض تعليمية محضة.

ربما نحن مستعدون لمواجهة عالم مستقبلي تشاركي مثالي أكثر مما هو محبط، ليس أكثر جاذبية فحسب، بل ذو أهمية قصوى في هذا المجتمع العولمي.

يسعى الدّارسون والمدرّسون على حد سواء من أجل التفاعل مع هذا المشهد الخلاب الآخذ في التوسع حيث سيتشارك الطلاب من خلاله مع المعلمين ويتبادلوا خبراتهم، وذلك من خلال مجموعة واسعة من الموارد التفاعلية، ففي هذا الواقع التعليمي، يمتلك الواقع الافتراضي مكانًا محددا قيّما للغاية.

 
 

الرئيسة|طباعة

 ارسل لصديق

  علق على الموضوع

 
 


تعليقات القراء
 
 

الرئيسة|أضف الموقع للمفضلة|اجعلنا الصفحة الرئيسية