مجلة المعرفة

 

 
 
الأخيرة
أنا والفشل
ثرثرة
نوته
نحو الذات
ميادين
دراسات
حاسوب
ترجمات
الملف
مقال
يونسكو
تقارير
الحصة الأولى
نفس
 
 

الملف
هل المناظرات هي الحل لإصلاح التعليم؟
بقلم :   أسامة أمين   2016-05-18 11 /8 /1437  

طلاب يتقنون فن النقاش والحوار، يتعلمون تعددية الرأي، ويمتلكون مهارة إقناعك بالشيء وعكسه، ويعرفون كيف يبنون الحجة، بالتوكيد والتعليل والتدليل، يستمعون بإنصات للرأي الآخر دون مقاطعة، ثم يكتشفون كل الثغرات في المنطق، ليهدموا الرأي، ويبنون مكانه رأيًا آخر، كل ذلك بلغة عربية فصحى، تعيد أمجاد هذه اللغة، وبغزارة معلومات في مجالات مختلفة. ألا يمكن الاستفادة من ذلك في إصلاح التعليم؟

بطولة المناظرات

قبل استخلاص الدروس، تجدر الإشارة إلى الحدث الذي لم تعطه غالبية وسائل الإعلام العربية الأهمية التي يستحقها، وهو إقامة البطولة الدولية لمناظرات المدارس باللغة العربية في الفترة من 10 – 13 أبريل 2016م، في العاصمة القطرية الدوحة، حيث اجتمعت فرق من خمسين دولة، عشرون منها عربية، وثلاثون من دول لا تتحدث العربية.

جرت المناظرات حول موضوعات متنوعة، مثل:  خصخصة التعليم، وتخفيف عقوبة ضحايا العنف المنزلي في حالة انتقامهم من معنفيهم، ومنع حملات حماية اللاجئين من استخدام الصور التي تظهر معاناتهم، ودعم الدول النامية مقابل استقبالها اللاجئين، والسماح للجهات الأمنية باختراق البيانات الإلكترونية للأفراد، وإلغاء التأشيرة بين الدول العربية، ومنع وسائل الإعلام من كشف هوية المتهمين حتى تثبت إدانتهم، وإلزام أولياء الأمور بتسجيل أبنائهم في النوادي الرياضية.

تراوحت أعمار المتناظرين بين 13 و18 عامًا، بعضهم يتحدث اللغة العربية كلغة أم، وآخرون يتحدثونها كلغة أجنبية، فهم طلاب من الولايات المتحدة أو بروناي أو المالديف أو بنما أو كزاخستان أو جزر القمر أو كرواتيا أو البوسنة أو الأرجنتين أو ماليزيا أو سنغافورة، أو غيرها كثير، لكن كل هذه الفروقات لم تنل من جودة النقاش والحوار والتناظر.

في كثير من الأحيان كنت تجد طالبًا يواجه صعوبة في التحدث معك عن الأمور اليومية، حتى إذا دخل قاعة المناظرة، فوجئت بشخص آخر، يتقن غالبية المفردات التي يحتاج إليها، وإذا فاتته كلمة، وجدت حجته قوية إلى درجة تغطي على أي خلل لغوي، ولذلك لا تستعجب إذا وجدت أن فريق ماليزيا اكتسح في طريقه الكثير من فرق الدول العربية، حتى وصل إلى المناظرة نصف النهائية، وواجه الفريق السوري الذي كان مثار إعجاب الجميع، ولم يكن خصمًا يستهان به على الإطلاق، بل إن بعض أعضاء فريق التحكيم، منح صوته للفريق الماليزي، لكن الفريق السوري فاز في نهاية هذه المناظرة، مما يبرهن على أن إتقان هذا الفن، يجعل الطالب قادرًا على التفوق، حيثما حل، ومهما كان الخصم قويًا.

النتيجة التي توصلت إليها دون أدنى مبالغة، أن أيام البطولة الأربعة، استطاعت الارتقاء بقدرات الطلاب والطالبات، بمعدلات تفوق ما يتحقق خلال أعوام من الدراسة في الصف، لأن الطلاب اكتشفوا أن اللغة العربية الفصحى ليست هذه اللغة التي لا نسمعها إلا في خطبة الجمعة، وفي نشرة الأخبار فحسب، بل هي هذا المفتاح، الذي يسهم في تفاهمك مع المسلمين في مختلف بقاع العالم، ومع محبي اللغة العربية من مختلف أرجاء الدنيا. أصبحت اللغة العربية الفصحى المنطوقة أخيرًا لغة حية للحديث في مختلف المجالات، دون تكلف أو تصنع من أجل الحصول على الدرجات في حصة اللغة العربية فقط، بل هي السبيل الوحيد للتفاهم مع العالم.

دروس من المناظرات

لمن لا يعرف المقصود بالمناظرات، فهي هذا الحوار المتحضر المهذب، الذي يدعم قيم التسامح وقبول الرأي الآخر، ومقارعة الحجة بالحجة، في إطار موضوع خلافي وجدلي، يقوم بذلك ثلاث أعضاء من كل فريق، لكل متحدث منهم دور محدد، ومهام مرسومة سلفًا، وآلية دقيقة، عن كيفية بناء الحجة، وكيفية المداخلة، للاستفسار من متحدث الفريق الآخر، أو بالأحرى للنيل من قوة حجته، ويكون هناك فريق للتحكيم، يرصد كل صغيرة وكبيرة، للتوصل في النهاية إلى فوز أحد الفريقين على الآخرين، دون إمكانية للتعادل.

والطريف في الأمر أن الطلاب لا يعرفون هل كانوا موالاة –أي مؤيدين لقضية المناظرة- أو معارضين لها، إلا قبل موعد المناظرة بعشرين دقيقة فقط، مما يجعلهم مضطرين للتفكير في مختلف الاحتمالات. وبذلك تنتهي أحادية الفكر، التي نلتزم بها نحن العرب في كثير من الأمور، باعتبار أن الحق دومًا واحد، وما عداه باطل، وهو أمر ينطبق على بعض القضايا الدينية، ولكنه بالتأكيد لا يسري على بقية أمور الحياة، فالالتحاق بالمدارس الخاصة، ليس حقًا مطلقًا ولا باطلاً بيّنًا، فله مميزاته وله عيوبه، والمهم أن يتمكن الطلاب في كل فريق من تبني استراتيجية متكاملة، تستطيع الصمود أمام حجج الفريق الآخر وتفنيده لحججهم.

لأول مرة يمكنك أن تستمع إلى حوار منطقي، فكرة أمام فكرة، وحجة أمام حجة، وليس كلامًا غوغائيًا، وليس حديثًا إنشائيًا مفعمًا بالعبارات الفخمة، التي لا مضمون وراءها، لا مجاملات وتصديق لكل ما يقوله الآخر، من قبيل احترام ما يقوله محاوره، حتى ولو كان ساذجًا. ليس هناك من هو صاحب الكلمة الأخيرة، ولا مالك الصواب المطلق، بل العبرة بمنطقية الطرح، وقدرته على استمالة العقول، وليس دغدغة المشاعر، ولا خرق طبلة الأذن من ارتفاع الصوت، والصراخ الذي يفحم الآخر بالصداع لا بالمنطق.

الطالب الذي يتعلم هذه المهارات، يمكن أن يذهب للدراسة في أي مكان في العالم، ويكون قادرًا على تمحيص الرأي من عقله هو، وليس من خلال الاستعانة بما يمليه عليه أبوه أو شيخ المسجد أو الكتاب المرشد، عندها يكون هو قادرًا أن يقنع أستاذة الجامعي الأمريكي، إذا انتقد بلاده، دون أن ينفعل، ودون أن يقول له (أغلق جوانتانامو قبل أن تتحدث معي)، بل يهدم الحجة من خلال ما فيها من خلل.

ولعل المناظرة هي أفضل تجسيد للقصة القديمة المعروفة عن الفيل والعميان، حين أمسك كل واحد منهم بجزء من الفيل، ووصفه وصفا مختلفًا، فمن أمسك ذيله، قال إنه يشبه الحبل، ومن أمسك أحد أقدام الفيل، قال إنه يشبه غصن الشجرة، ومن أمسك أحد جانبيه، وصفه بأنه مثل الجدار، ومن أمسك أحد نابيه، قال إنه يشبه الرمح، ومن أمسك خرطوم الفيل، قال إنه يشبه الثعبان، ومن أمسك أذنه، قال إنه يشبه المروحة. فإن كلهم على حق، ولو اختلفوا.  

المناظرة هي ذلك الفن، الذي يجعل الطالب لا يكتفي بجانب واحد من الحقيقة، بل يجعله واسع الأفق، قادرًا على استيعاب مختلف جوانب الموضوع، وتقبل رأي الآخر، الذي ربما يكون أفضل من رأيه، ويجعله يكتسب القناعة بأن هناك في هذا العالم اختلافات ثقافية، تجعلنا نرى الأشياء من زوايا مختلفة.

لست وحدك في هذا العالم

في إحدى المناظرات تحدث الطلاب القادمون من دولة أوروبية، تتمتع بمستوى معيشي مرتفع للغاية، مع طلاب من دولة إفريقية فقيرة معدمة اقتصاديًا، وتعاني من تراجع  في مستوى التعليم، وكانت المناظرة عن إلزام أولياء الأمور بتسجيل أبنائهم في نواد رياضية.

طلاب الدولة الأوروبية اعتادوا وجود هذه النوادي، ويعرفون أنها تحقق لهم فوائد جمة، من ممارسة الرياضات المختلفة، التي تحافظ على صحتهم البدنية، إلى جانب الفوائد الاجتماعية، من اكتساب روح الفريق، مما يسهم في التخلص من الأنانية، والعمل الجماعي، من أجل تحقيق مكاسب تعود على المجتمع ككل، علاوة على فوائد هذه النوادي في التقريب بين مختلف مكونات المجتمع، فتتراجع الاختلافات الطبقية، ولا يكون هناك فقير أو غني، بل تتحدد مكانة الفرد، من خلال مهاراته الرياضية، وقدرته على الاندماج في الفريق.

أما طلاب الدولة الإفريقية، الذين لا يعرفون هذه النوادي، فكانوا يقدمون الحجة تلو الأخرى، لإثبات أن هذه النوادي تضم شرار الخلق، وأن العناصر الفاسدة في المجتمع، ستستخدم هذه النوادي في بث سمومها، وأفكارها الخبيثة، واعتبروا أن هذه النوادي رفاهية زائدة لا مكان لها في الحياة، وأن تكاليفها المادية لا يطيقها إلا الأغنياء، وعند إلزام الدولة لجميع أولياء الأمور بذلك، فإن الفقراء سيضطرون إلى الاستدانة من أجل توفير هذه الأموال الباهظة، وقد يؤدي ذلك إلى المزيد من الفقر والعوز.

أخفقت كل محاولات الفريق القادم من أوروبا، في إقناع الفريق الإفريقي، بأن هذه النوادي تضمن توفير أفراد الأمن المؤهلين، والمدربين الأكفاء، والبرامج الهادفة، مع وجود الرقابة والإشراف على جميع ما يحدث في النوادي. 

عند هذه اللحظة، كان على الفريق الأوروبي أن يدرك أن هناك رؤية مختلفة تمامًا لنفس المسميات، وأن كلمة ناد رياضي في الغرب، تعني هذا المكان الأنيق، الذي يمتلئ بالخضرة، والتجهيزات الرياضية، والصالات المكيفة، وكاميرات المراقبة، في حين يراها الفريق الإفريقي، باعتبارها هذه الأماكن الواقعة على أطراف المدينة، التي تقتصر على سور معدني متهالك، وأرض شاسعة بلا صالات أو قاعات، بل ملاعب مفتوحة، وكوخ أو غرفة هنا أو هناك، دون وجود لرقابة أو حراسة.

وفي مناظرة أخرى كان الفريق السوري متحمسًا للغاية في حديثه عن مسألة إلغاء التأشيرة بين الدول العربية، فقد اعتاد السوريون على تمجيد القومية العربية، التي كان حزب البعث ينادي بها صباح مساء، وكان المواطنون هناك، إذا تحدثوا عن أنفسهم، قالوا إنهم عرب سوريون، وكانت هذه الصفة العروبية دومًا في المقدمة، لذلك كان بديهيًا أن يدافعوا عن إزالة الحدود والتأشيرات، من أجل عودة المجد العربي، الذي عرفه العرب في عهد الدولة الأموية والعباسية.

أما الفريق الماليزي الذي كان مكلفًا بالقيام بدور المعارضة، فقد كان يخاطب العقل، وينبه العرب إلى أن ما يتغنون به من وطن عربي كبير واحد، هو وهم كبير عاشوا فيه عقودًا كثيرة، أثبتت التجربة، أنه لا وجود له إلا في مخيلاتهم، فالحروب بين الدول العربية، بل وداخل الدولة الواحدة، تثبت أن إلغاء التأشيرة، ما هو إلا دعوة إلى المزيد من الفوضى، وإحداث القلاقل في هذه الدول.

لم يكن التحكيم سهلاً في هذه المناظرة، هل يصوت المحكمون لمبدأ (بلاد العرب أوطاني، من الشام لبغدان، ومن نجد إلى يمن، إلى مصر فتطوان)، أم يصوت لمن يقول له: (افتح عينيك، واقرأ الصحف، لتعرف أن ذلك وهم)، لكن المسألة لم تكن إلى أي الرأيين يميل الحكم، بل أي الفريقين استطاع أن يقدم الحجج والأدلة على صحة موقفه.

من اللحظات الطريفة في هذه المناظرة، عندما بدا الذهول على أحد أعضاء الفريق السوري، وهو يناقش في قضية اعتقد طويلاً أنها محسومة وبديهية، ولذلك قال لنظرائه من الفريق الماليزي، إنهم يتحدثون العربية، لكنهم لا يفهمون العقلية العربية. ولعله مصيب في قوله، لكنه على ما يبدو لم يكن هو الآخر قادرًا على أن يفهم، كيف يفكر غير العرب، وكيف يرون واقعًا، غير الذي يراه بقلبه.

المناظرة والتعليم

حسنًا، ما علاقة كل ما فات بالتعليم، أليس التعليم عبارة عن منهاج دراسي، واختبارات، وتوزيع درجات، ولجان ومراقبون؟ ولعلني أتحدث بمنطق الماليزيين، وأقول إن كل ما سبق ذكره هنا عن التعليم، ما هو إلا مسرحية ساذجة، إذا لم يكن وراء هذه القشرة الخارجية، جوهر العملية التعليمة، الذي يتمثل في تنمية القدرات الذاتية للطالب، ليكون قادرًا على التفكير المستقل، والتوصل بنفسه إلى رؤى وآراء يقتنع بها أولاً، حتى يكون قادرًا على إقناع الآخرين بها، والحماس لتحقيقها، لأنها نابعة من داخله.

المناظرة تقول للطالب:«إنك إنسان له الحق في رأي مستقل، لكن عليك أن تمتلك من المعرفة ما يجعلك قادرًا على التدليل على صحة موقفك، ويجب عليك أن تكون بليغًا، ممسكًا بنواصي لغتك، لتتمكن من صياغة أفكارك، وهو الأمر الذي يتطلب أن تقرأ كثيرًا، وتعي ما تقرأ، وتكون حصيلتك اللغوية ثرية».

المناظرة تعلم الطالب أن الكرة الأرضية فيها صحار وجبال، وديان وغابات، بحار ومحيطات، وكذلك فيها أناس مختلفو العروق والثقافات والحضارات، وأنه كما للعين حدود لا ترى بعدها، وكما للأذن حدود لا تسمع وراءها، كذلك فإن العقل محدود القدرات، وأن السبيل الوحيد لفهم الآخر، هو الانفتاح عليه، ومعرفة ما لديه، قبل أن أسعى لفرض رأيي عليه، وأن ما توهم الإنسان طوال حياته أنه حق لا خلاف حوله، هو أبعد ما يكون عن ذلك.

إذا نظر المعلم لطلابه باعتبارهم متناظرين، يجب عليه أن يستمع إليهم، ويناقشهم، ويتقبل رفضهم لرأيه، ما لم يكن مقنعًا، وأن عليه أن يفتش عن الإحصائيات والدراسات العلمية، التي تدعم ما يقوله، فإن تحضيره للدرس سيكون مختلفًا تمامًا.

وإذا نظر الطالب لنفسه باعتباره متناظرًا، فإنه سيدرك أن دوره ليس سلبيًا، يقتصر على القدوم في الصباح قبل الجرس، وأن يجلس مؤدبًا، بمعنى أن يكون صامتًا لا يتحرك من مكانه، بل والأفضل ألا يعمل عقله، حتى لا يناقش ويطرح أسئلة لا يستطيع المعلم أن يجيب عليها، بل مطلوب منه أن يكون حاضرًا طوال الوقت بعقله، مشاركًا في الحوار والنقاش، لأن العملية التعليمية بدونه لا تتحقق، هو محورها، ولا يمكن أن يكون المحور سلبيًا.

المناظرة بمفردها ليست الحل السحري، لكنها بالتأكيد إحدى الوسائل التي يمكن الاعتماد عليها في إحداث تغيير جوهري في التعليم، دون الحاجة إلى عقد لجان وجلسات عمل ومؤتمرات، واستدعاء الخبراء من مختلف بقاع الأرض، وميزانيات باهظة، يكفي فقط أن يشاهد الإنسان مناظرات سابقة على الإنترنت، على موقع (مركز مناظرات قطر)، ليدرك أن بعث الحياة في الصفوف، لا يحتاج إلى أكثر من الإرادة في التغيير، وعندها يمكن أن يتحقق شعار (متناظرو اليوم، قادة المستقبل)، ألا يستحق طلابنا ذلك؟

 
 

الرئيسة|طباعة

 ارسل لصديق

  علق على الموضوع

 
 


تعليقات القراء
 
 

الرئيسة|أضف الموقع للمفضلة|اجعلنا الصفحة الرئيسية