مجلة المعرفة

 

 
 
الأخيرة
أنا والفشل
ثرثرة
نوته
نحو الذات
ميادين
دراسات
حاسوب
ترجمات
الملف
مقال
يونسكو
تقارير
الحصة الأولى
نفس
 
 

الملف
تقرير هيئة تقويم التعليم الأرقام ليست صادمة
بقلم :  د. صلاح صالح معمار   2016-05-18 11 /8 /1437  

بمؤتمر صحفي وضجة كبيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ظهر للسطح تقرير هيئة تقويم التعليم العام الذي يحمل في طياته عددًا من الأرقام المهمة، ولعل لهذا الصدى أسبابًا كثيرة ألخصها من وجهة نظري في التالي:

• لدى هيئة تقويم التعليم فريق جيد يعمل في مجال الإعلام والعلاقات العامة يستطيع أن يخرج بشكل جيد حتى التحركات البسيطة.

• هناك حاجة إلى لغة الأرقام خاصة في مجال التعليم وظهور أي أرقام سوف يكون له صدى كبير في المجتمع حتى لو كانت هناك عشرات الأسئلة خلف مصداقية وعلمية تلك الأرقام.

• التعليم العام شأن عام والجميع يتشوق لسماع أي خطوة نحو إصلاحه أو وضع اليد على جروحه.

• المجتمع يجهل ما هو دور هيئة تقويم التعليم في منظومة التعليم العام وظهور تقرير بهذا الحجم ربما ساعد على الإجابة على بعض التساؤلات (من هم - ماذا فعلوا - ماذا سيفعلون - ما هي مؤهلاتهم - هل هم جهة استشارية أم تنفيذية أم تشريعية أم رقابية أم ).

وعلى النقيض ربما لم نجد هذا الصدى وبنفس القوة بين المختصين، ولعل لهذا أسباب يمكن أن ألخصها أيضًا من وجهة نظري في التالي:

• الأرقام التي ظهرت لا يوجد فيها تفاصيل دقيقة يهتم بها الباحث مثل حجم العينة وطريقة اختيار العينة والخلفية العلمية لبناء أسئلة الدراسة.

• لم يكن واضحًا التباين هل الأرقام نتائج تحليل اختبار وطني مثل بعض الأرقام التي ظهرت تحت محور طلابنا أم هي نظير دراسة أو  استطلاع كما هو موجود تحت محور «معلمونا و أولياء الأمور».

• بعض الأرقام التي ظهرت لم تكن صادمة للمختصين فهي محسومة من وقت مبكر في عدد من الدراسات والأبحاث حتى في الأنظمة التعليمية المختلفة.

• لم يتضح بشكل واضح فرضيات الدراسة أو الاستطلاع أو التحليل، فهل هي افتراضات لها أساس علمي أم هناك أجندة خلفها مع عدم ضمان حيادية الباحث.

• أداة الدراسة غير واضحة تمامًا فهل تم استخدام المنهج الكمي أو النوعي وهل الأسلوب المختار كان مناسبًا لشريحة الأطفال التي خرجت بهذه الأرقام!

لعل القارئ الذكي يلاحظ بعض الإسقاطات التي كانت بين سطوري السابقة، وما هي إلا بعض الانطباعات التي لا أستطيع الجزم بها لذا لم أكتبها بشكل صريح! ولكن هذا المقال لن يركز على أداء الهيئة بشكل مباشر، بل على الدراسة المسحية التي قامت بها الهيئة مشكورة! ومصدر الشكر أن الهيئة مع كل التحركات «البسيطة» التي قامت بها  تشرك المجتمع المحلي وأصحاب العلاقة في صناعة الرأي أو القرار. مع تمنياتنا أن تسرع تحركات هيئة تقويم التعليم للخروج بمركز معلومات وطني خاص بالتعليم ويكون مصنعًا لصناعة القرار لنخرج بمنظومة DSS (Decision Support System) وتكون القرارات مبنية على دراسات وإحصاءات لا على اجتهادات وزراء متغيرين ورؤى سياسية متقلبة. 

كما نتمنى أن تكون مثل هذه الدراسات المسحية أو التحليلية التي قامت بها هيئة تقويم التعليم ممنهجة بشكل واضح بحيث من المهم عند جمع المعلومة التي ستبني قرارًا أن تكون هناك رؤية واضحة جدًا لماهية العينة المستهدفة  ونوع المعلومة التي أريدها وأهميتها وماذا سأفعل بالمعلومة التي جمعت وما هي المعلومة التالية التي أحتاج! لأنه من المحزن أن أعمل دراسة مسحية تشمل معظم طلاب السعودية وأسألهم هل شنطة الكتب المدرسية ثقيلة أم لا؟! أو هل الدراسة في مبنى حكومي متكامل أفضل من الدراسة في مبنى مستأجر!

على كل حال ظهرت بعض الآراء تقول إن الأرقام التي ظهرت في تقرير هيئة تقويم التعليم (صادمة)! وهذا أمر غريب، ولكن ربما هي صادمة لغير المختص أو البعيد عن الميدان، ولكن ربما لو تم استخدام عبارة أن بعض الأرقام لم تكن صادمة، بل هي تأكيد علمي لانطباع سائد!

والآن ماذا عن الأرقام التي ظهرت في تقرير هيئة تقويم التعليم التي أود تلخيصها والتعليق عليها كالتالي:

• الطلاب ووطنهم والمسؤولية الاجتماعية: تحت هذا العنوان لم تكن هناك مفاجأة حيث حوالي 96.7% من الطلاب يعتبرون أن أمان الوطن من التهديدات الداخلية والخارجية يشكل أهمية عالية لهم، ولكن في نفس الوقت يجب عدم الاستهتار بالنسبة المتبقية  التي تمثل حوالي 3.3% من الطلاب الذين يرون أن هذه التهديدات لا تشكل أهمية بالنسبة لهم وبحث الأسباب وراء هذه القناعة والخروج ببرامج تناسب هذه الفئة العمرية، لكي تجعلهم قادرين على فهم الجو العام من حولهم دون إفقادهم الإحساس بالأمن والأمان وجعلهم في حالة قلق وهم في أمس الحاجة حسب هرم ماسلو لحاجة الأمن. وفي نفس الوقت لا أعلم كيف علق البعض على هذه النتيجة بأن مستوى الأمن الفكري لطلابنا عال!!. أما فيما يخص رأي الطلاب بشأن مجتمعهم فأنا سعيد أن حوالي أكثر من 90% من الطلاب لديهم شعور عال بالمسؤولية المجتمعية  ومصدر هذه السعادة أن مفهوم المسؤولية الاجتماعية مفهوم حديث حتى على الشركات الكبرى وغير واضح معالمه في المجتمعات التي لا توجد فيها أدوار أو ملامح للمجتمع المدني! ولكن بشكل عام رائع  أن يكون لدينا اثنان من كل ثلاثة طلاب يعتقدون أنه من المهم معرفة قضايا المجتمع، والأهم أن نوضح لهم الأدوار المطلوبة منهم تحديدًا ومساعدتهم على تحقيقها حتى يزيد من مستوى انتمائهم وإنتاجهم وينتقلون من مرحلة الشعور إلى المشاركة.

• الطلاب وأسرهم وأصدقاؤهم: حوالي 63% من الطلاب ذكروا أنه لا يوجد لدى والديهم الوقت الكافي للجلوس معهم ولا حتى يعرفون ما يتوقعنه منهم فيما يتعلق بتعليمهم! وهذه النسبة فيها دلائل كثيرة وعدم وجود وقت كاف للجلوس مع الأبناء مؤشر خطير ونتائجه وخيمة ليس على المستوى التعليمي، بل في كل المجالات! خاصة أن لدينا نظام تعليم يعتمد على الأسرة بشكل كبير عكس الأنظمة التعليمية المتقدمة التي تخصص ساعات أثناء الدوام المدرسي لينجز فيها الطالب واجباته وتخصص لهم خزائن يترك فيها الطالب كتبه حتى لا يأخذها معه إلا نهاية الأسبوع  ولديهم معلم لا يعتمد على الحفظ والتلقين وبالتالي العبء على المعلم وليس على ولي الأمر الذي من أهم أدواره أن يُحفِظ ويسمع! لذا ومن خلال هذه النتيجة يجب أن توجد المدارس حلولاً إبداعية لإشراك الوالدين في بناء الطالب وعقد دورات تدريبية للأسر للقيام بدورها. أما فيما يخص الأصدقاء فقد أوضح 98% من الطلاب أنهم يحاولون مساعدة أصدقائهم ولكن في نفس الوقت حوالي أكثر من 85% منهم يحبون أن ينجحوا بتفوق وأن يتفوقوا على الآخرين، وحوالي 95% منهم شدد على أهمية الاستقلالية واتخاذهم للقرارات المتعلقة بهم بأنفسهم. وهذه مؤشرات إيجابية بالرغم أنها خرجت من طلاب في مجتمع مرفه واستهلاكي! لذا ينبغي التدريب على جعل الطالب قادرًا على الاستقلالية لا راغبًا فيها فقط ! وذلك من خلال تسليحه بكل الاتجاهات والمعارف والمهارات اللازمة لجعله شخصًا مستقلاً استقلالاً إيجابيًا يعتمد على نفسه اليوم ويكبر ويصبح رائدًا ومبادرًا لا مستهلك ومعتمد على الآخرين.

• الطلاب ومستقبلهم العلمي والمهني: أظهر حوالي 70% من الطلاب رغبة شديدة في الالتحاق بالجامعة و 23% من الطلاب رغبتهم بذلك كانت إلى حد ما، وهذا أمر متوقع وإيجابي ولكن هناك حوالي 8% لديهم ومنذ وقت مبكر عدم الرغبة في مواصلة التعليم الجامعي وهذه النسبة يجب الوقوف عندها حتى لو كانت عبارة عن ردة فعل لأطفال يكرهون المدرسة! فالموضوع مقبول، بل إيجابي عندما يصدر من طالب في الثانوية العامة اتضحت عنده الرؤية ليرى مناسبته للعمل الريادي والعمل الحر أو المواصلة في المجال المهني، ولكن أن يكون هذا التوجه من المرحلة الابتدائية فيجب أن ندرسه ونعالجه إن لزم. وجميل لو عززنا بوضوح المجال المهني لهم ولا نربطه بإكمال الجامعة أو عدمها، بل من خلال معرفة التخصص الذي أريد والإرث الذي سأتركه وكيف سأتركه وما التخصصات والمهارات التي أحتاجها لأحققه! وفي مؤشر إيجابي آخر تحت هذا المجال اتفق اثنان من كل ثلاثة طلاب على أنهم يرغبون بالعمل في شركات كبيرة وإنشاء أعمال حرة، ويجب هنا تعزيز هذه الرغبة وصقلها منذ وقت مبكر حتى نحولها من رغبة إلى قدرة من خلال المناهج والأنشطة الصفية واللا صفية.

• الطلاب ورضاهم عن مدارسهم: حوالي 86% من الطلاب لديهم توجه إيجابي تجاه المدرسة وسعداء جدًا بها! الحقيقة أتمنى لو عرفت هل هذه النسبة جلها من طلاب المدارس الخاصة أم من طلاب المدارس المستأجرة! ولو كانت من طلاب المدارس المستأجرة فهذا يعني أننا لسنا بحاجة لوزير للسعادة مثل بعض الدول! وأنه لا داعي لترديد العبارة التي دومًا نسمعها وهي أننا بحاجة لجعل المدرسة بيئة جاذبة للطلاب لأنها حسب الإحصائية هي ليس جاذبة فقط، بل هي مصدر من مصادر سعادتهم! وأتمنى أن نجد تفاصيل أكثر وتفسير أكبر للنتيجة هذه لأنها فعلاً تحتاج وقفات! وفي نفس سياق السعادة حوالي 95% من الطلاب ذكروا أنه يجب أن يعيش الناس بسعادة وسلام ومساواة ! ولكن المدهش أن حوالي 15% من الطلاب لا يرون بضرورة أن يتبع الناس القوانين دون الحاجة لرقيب! وهذا مؤشر خطير يجب أن نقف عنده من وقت مبكر لنعزز دولة القانون ومجتمع القانون والرقابة الذاتية! 

• مستويات الطلاب في العلوم والرياضيات: لعل النتائج هنا تحترم كثيرًا لأنها مبنية على اختبارات وطنية،، وهذا مهم لهذه المرحلة العمرية ليس بناء على استطلاعات للرأي! لذا ظهر عدد من المؤشرات والفروقات في النتائج تعزى إلى (نوع المدرسة «حكومي- خاص»، جنس الطالب «ذكر - أنثى»، وكذلك  بناء على اختلاف المنطقة التعليمية). في مجمل النتائج ظهر تفوق واضح لصالح المدارس الخاصة وللإناث ولبعض المناطق، ولعل النتائج لم تكن مستغربة بدرجة أنه كان هناك حاجة إلى دليل علمي يثبت ذلك! ولعل هذا المؤشر لم يكن له قيمة عليا عندما كان تعليم البنين منفصلاً عن تعليم البنات ولكن اليوم هناك حاجة حقيقية لمعرفة الأسباب العلمية لذلك بالرغم أن هناك عددًا من المؤشرات العالمية تعزز النتائج التي ظهرت في دراسة هيئة تقويم التعليم، ولكن ما زالت هناك حاجة لمعرفة الأسباب حتى لا يصبح الفارق كبيرًا!

• معلمونا: في خضم الأرقام التي ظهرت في تقرير هيئة تقويم التعليم هناك قسم به بعض الأرقام المهمة حول المعلمين وأهمها أن هناك حوالي 92% من المعلمين مقتنعون بمهنتهم كمعلمين، وحوالي 91% منهم راضون بالعمل كمعلمين في مدارسهم الحالية؛ وحوالي 66% منهم يرون أن حماسهم ورغبتهم للتدريس تقل بعد التحاقهم بالمهنة، كما أن 52% من المعلمين ذكروا أن نصابهم التدريسي عال، وذكر حوالي 75% من المعلمين أنه لا يتوفر لهم مواد ووسائل تدريسية داعمة للتعلم أو أماكن متاحة في المدارس تمكنهم من العمل والتخطيط للتدريس، وأن 59% منهم يرون حاجة مدارسهم إلى صيانة وإعادة تأهيل بدرجة كبيرة، وذكر حوالي 40% من المعلمين أنهم لا يتعاونون مع بعضهم فيما يخص عملهم التدريسي، وحوالي 24% من المعلمين لا يربطون ما يعلمونه للطلاب في الصف بحياتهم اليومية، وأخيرًا يرى المعلمون أن 77% من الطلاب أحيانًا ليس لديهم المعارف والمهارات المتطلبة منهم في الصفوف السابقة. الحقيقة أنني أجد أن حوالي 92% من المعلمين مقتنعون بمهنتهم وبالمدارس التي يعملون بها، ونسبة تحتاج إلى توضيح وتفصيل دقيق لأنها لا تعكس الواقع تمامًا ! بل وفي نفس الدراسة هناك تباين حيث 66% منهم فاقدو الحماس، فأين مصدر الرضا! وإن اتفقنا على هذا فما هي المخرجات المتوقعة من معلمي فاقدي الحماس نحو مهنتهم! فمنهم الضعيف المرتاح فاقد الحماس الذي لا يحاسب ولا يبعد، ومنهم المميز الذي لم يحفز ولم يكرم الذي اصطف لاحقًا بجانب صفوف فاقدي الحماس! أما مسألة عدم توفر تقنية مناسبة وأماكن مناسبة للمعلمين، فهذا أمر لم يكن صادمًا في ظل كون أكثر من 25% من مدارسنا مدارس مستأجرة، وحوالي 59% منها تحتاج إلى صيانة وتأهيل! ولكن هناك حاجة لوقفة صادقة مع وجود أكثر من 24% من المعلمين الذين يعلمون دون ربط تدريسهم بحياة الطالب !! لأن التعليم بهذه الصورة فيه هدر كبير والعائد منه ضعيف جدًا وشكلي!

هذه كانت قراءة سريعة وملخصًا لما ذكر في التقرير وأشد على أيدي القائمين عليه، لذا عنونت المقال بأن تقريرهم خطوة في الطريق الصحيح، وفي نفس الوقت لعل ما بين سطوري يستفز المسؤولين هناك للرد على انطباعاتي ويكون المستفيد الأكبر هو المجتمع أو الأخذ ببعض ما ذكرت لتخرج لنا المرات القادمة تقارير دورية منهجية تحرك الرأي العام ليصبح هم إصلاح التعليم همًا مشتركًا يشترك فيه الجميع بدءًا من تقديم المعلومة وانتهاء بالمساهمة في تطبيقها وتقييمها وتعديلها.  

 
 

الرئيسة|طباعة

 ارسل لصديق

  علق على الموضوع

 
 


تعليقات القراء
 
 

الرئيسة|أضف الموقع للمفضلة|اجعلنا الصفحة الرئيسية